عماد الدين حسن بن علي الطبري ( تعريب : فاخر )
366
كامل البهائي في السقيفة
الأبواق والطبول والكوسات والدفوف كأنّ القيامة قد قامت ، فلمّا وصلت السواد الأعظم رأيتهم قد أقبلوا بالرؤوس على أسنّة الرماح فرأيت رأس العبّاس يتقدّم الرؤوس وورائه ركب الحرم ، ورأيت رأس الحسين وعليه البهاء والعظمة ويشرق النور منه بلحية مدوّرة قد خالطها الشيب وقد خضّبت بالوسمة ، أدعج العينين ، أزجّ الحاجبين ، واضح اللحيين ، أقنى الأنف ، مبتسما إلى السماء ، شاخصا ببصره نحو الأفق ، والريح تلعب بلحيته يميناص وشمالا كأنّه عليّ عليه السّلام . قال عمر بن المنذر الهمدانيّ : ورأيت أمّ كلثوم تخالها فاطمة الزهراء وعليها إزار خلق وعلى وجهها نقاب ، فدنوت منهم وحيّيت الإمام زين العابدين وحيّيتهم ، فقالوا لي : أيّها المؤمن ، إن قدرت على شيء تدفعه إلى حامل الرأس ليقدّمه فافعل فقد خزينا من شدّة النظر إلينا ، فأعطيت ذلك اللعين مأة درهم ليقدّم رأس الحسين عليه السّلام ويبعّده عن العائلة . وساروا هكذا حتّى وصلوا إلى يزيد لعنه اللّه وكان يهوديّ حاضرا هناك ، فقال : رأس من هذا ؟ فقال : رأس رجل من العراق عربيّ خرج عليّ ، فأمرت عبيد اللّه بن زياد بقتله ، فقال : ابن من ؟ قال : ابن عليّ من فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فقال : يا من لا دين له ولا يقين ، بيني وبين داود النبيّ سبعون ظهرا واليهود تأخذ تراب قدميّ تسجد عليه ولو كان لموسى خلف لعبدناه وأنتم قتلتم أبناء نبيّكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وتدّعون أنّكم أتباعه وأمّته . فقال يزيد : لولا أنّ النبيّ قال : من آذى ذمّيّا فقد آذاني لأمرت بضرب عنقك ، فقال اليهوديّ : ما أعظم صلفك ، أيخاصمك النبيّ من أجل يهوديّ ذمّيّ أفلا يخاصمك من أجل ولده ! فأمر يزيد بضرب عنق اليهوديّ ، فتشهّد اليهوديّ الشهادتين وأقرّ بنبوّة المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وإمامة عليّ والحسنين عليهم السّلام ورفع رأس الحسين وقبّله إلى أن قبضوا على يده وأخرجوه خارج البيت وقتلوه فذهب شهيدا ، وقال يزيد : إنّه أسلم كي لا أقتله .